ريم على القاع بين اللبان والعلم
رِيمٌ عَلَى الْقَاعِ بَيْنَ الْبَانِ وَالْعَلَمِ
أَحَلَّ سَفْكَ دَمِي فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ
رَمَى الْقَضَاءُ بِعَيْنَيْ جُؤْذَرٍ أَسَدًا
يَا سَاكِنَ الْقَاعِ أَدْرِكْ سَاكِنَ الْأَجَمِ
لَمَّا رَنَى حَدَّثَتْنِي النَّفْسُ قَائِلَةً
يَا وَيْحَ جَنْبِكَ بِالسَّهْمِ الْمُصِيبِ
رَمَى جَحَدَتْهَا وَكَتَمْتُ السَّهْمَ فِي كَبِدِي
جُرْحُ الْعَاشِقِ عِنْدِي غَيْرُ ذِي الْمِي
رَزِقْتُ أَسْمَحَ مَا فِي النَّاسِ مِنْ خُلُقٍ
إِذَا مَا اسْتَعْصَمَتْ أَوْ ذَا تَعَصُّمِ
لَوْ شَفَّكَ الْوَجْدُ لَمْ تَعْذِلْ وَلَمْ تَلُمْ
لَقَدْ أَنْعَمْتَ عَلَيْكَ أُذُنًا غَيْرَ وَاعِيَةٍ
وَرُبَّ مُنْتَصِتٍ وَالْقَلْبُ فِي صَمَمِ
يُرَاعِنُ لِلْبَصَرِ السَّامِي وَمِنْ عَجَبٍ
إِذَا أَشَارَتْ أَسَرَتِ اللَّيْثَ بِالْعَنَمِ
وَضَعْتُ خَدِّي وَقَسَّمْتُ الْفُؤَادَ رُبًى
يَرْتَعُ فِي كُنَسٍ مِنْهُ وَفِي أَكَمِ
يَا بِنْتَ ذِي اللَّبَدِ الْمُحَمِّي جَانِبُهُ
أَلْقَاكِ فِي الْغَابِ أَمْ أَلْقَاكِ فِي الْأُطُمِ
سَنَاؤُهُ وَسَنَاهُ الشَّمْسُ طَالِعَةً
فَالْجِرْمُ فِي فَلَكٍ وَالضَّوْءُ فِي عَلَمِ
قَدْ أَخْطَأَ النَّجْمَ مَا نَالَتْ أُبُوَّتُهُ
كَمْ جَيْئَةٍ وَرَحْبٍ شُرِّفَتْ بِهِمَا
بَطْحَاءُ مَكَّةَ فِي الْإِصْبَاحِ وَالْغَسَمِ
وَوَحْشَةٍ لِابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بَيْنَهُمَا
غَمَامَةٌ جَذَبَتْهَا خَيْرَةُ الدَّيْمِ
مَحَبَّةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ أُشْرِبَهَا
قَعَائِدُ الدَّيْرِ وَالرُّهْبَانُ فِي الْقِمَمِ
إِلَّا عَلَى صَنَمٍ قَدْ هَامَ فِي صَنَمِ
وَالْأَرْضُ مَمْلُوءَةٌ جَوْرًا مُسَخَّرَةٌ
لِكُلِّ طَاغِيَةٍ فِي الْخَلْقِ مُحْتَكِمِ
لَا فِي الْجِيَادِ وَلَا فِي الْأَيْنُقِ الرُّسُمِ
مَشِيئَةُ الْخَالِقِ الْبَارِي وَصَنْعَتُهُ
وَقُدْرَةُ اللَّهِ فَوْقَ الشَّكِّ وَالتَّهَمِ
حَتَّى بَلَغْتَ سَمَاءً لَا يُطَارُ لَهَا
عَلَى جَنَاحٍ وَلَا يُسْعَى عَلَى قَدَمِ
وَقِيلَ كُلُّ نَبِيٍّ عِنْدَ رُتْبَتِهِ
أَحَطْتَ بَيْنَهُمَا بِالسِّرِّ وَانْكَشَفَتْ
لَكَ الْخَزَائِنُ مِنْ عِلْمٍ وَمِنْ حِكَمِ
وَضَاعَفَ الْقُرْبُ مَا قُلِّدْتَ مِنْ مَنَنٍ
مَحَبَّةُ اللَّهِ أَلْقَاهَا وَهَيْبَتُهُ
عَلَى ابْنِ آمِنَةٍ فِي كُلِّ مُصْطَدَمِ
كَأَنَّ وَجْهَكَ تَحْتَ النَّقْعِ بَدْرُ دُجًى
وَأَنْتَ خُيِّرْتَ فِي الْأَرْزَاقِ وَالْقِسَمِ
إِنْ قُلْتَ فِي الْأَمْرِ «لَا» أَوْ قُلْتَ فِيهِ «نَعَمْ»
فَخَيْرَةُ اللَّهِ فِي «لَا» مِنْكَ أَوْ «نَعَمِ»
الصَّابِرِينَ وَنَفْسُ الْأَرْضِ وَاجِفَةٌ
الضَّاحِكِينَ إِلَى الْأَخْطَارِ وَالْقُحَمِ
يَا رَبِّ هَبَّتْ شُعُوبٌ مِنْ مَنِيَّتِهَا
لماذا كتبت قصيدة ريم على القاع بين اللبان والعلم؟
كتب احمد شوقي هذه القصيدة كجزء من ديوانه نهج البردة الذي نشره عام 1930 تقريبا، استلهمها من بردة الشاعر القديم كعب بن زهير الذي مدح فيها النبي محمد صلى الله عليه وسلم امام قبيلة قريش بعد اسلامه.
اختار شوقي نفس الاسلوب ليمدح النبي في عصر حديث يعاني من الجهل والضلال، وكان هدفه يقظة الامة الاسلامية وتذكيرها بمكانة النبي وسيرته العطرة.
استخدم الغزل في البداية لجذب الانتباه كما فعل كعب ثم انتقل الى المديح النبوي ليؤثر في النفوس بعمق، والقصيدة تعكس حبه للنبي ودعوته للوحدة الاسلامية في زمن الاستعمار والتشتت.
ما مضمون قصيدة ريم على القاع بين اللبان والعلم
تبدأ القصيدة ب24 بيت غزل يصف فيها شوقي محبوبته ريم كغزالة بيضاء في سهل بين شجر البان والجبل العلم. يصف جمالها وعيونها التي رمته بسهم الحب وجرح قلبه وكيف يتحمل العذال لاجلها.
هذا الغزل مستوحى من الشعر الجاهلي لكن باسلوب حديث رقيق، ثم ينتقل فجاة الى مدح النبي محمد صلى الله عليه وسلم مشبها اياه بالشمس والنجم الازهر.
يتحدث عن ميلاد النبي في بطحاء مكة وكيف غطته الغمامة يوم ولادته، ويصف معجزاته من القران الى الاحياء ميتا وانشقاق القمر وهجرته وفتوحاته، كما يشيد بخلقه العظيم ورحمته بالعالمين وكيف اصلح العالم من الشرك والطغيان، وتنتهي بدعاء لربنا ان يبعث شعوبا تحيا بنور نبيه وتتجنب الفتن.
ماذا نتعلم من قصيدة ريم على القاع بين اللبان والعلم
نتعلم منها قوة الشعر في التأثير على النفوس وتوجيهها نحو الخير، وتذكرنا بجمال الغزل النبيل الذي يمهد للمديح الالهي دون فحش، ونشهد فيها عظمة سيرة النبي وكيف غير وجه التاريخ برحمة وعدل رغم التحديات.
تتعلم الصبر على الابتلاء كما صبر النبي والغزل في وصف الحبيبة الذي يرمز الى حب الله والرسول، كما تدعونا للتأمل في ايماننا ودعوة الآخرين بلطف لا بالعنف.
تعلمنا احترام التراث الشعري واستخدامه للدعوة الإسلامية، وتزرع في القلب حبا للنبي يدفعنا لاقتداء بسيرته في العلاقات اليومية والصبر على المصائب، وتؤكد ان الخير ينتصر مهما طال الظلام كما انتصر الإسلام.