قصيدة جادك الغيث
جادَكَ الغيْثُ إذا الغيْثُ هَمَى
يا زَمانَ الوَصْلِ بالأَنْدَلُسِ
لَمْ يَكُنْ وَصْلُكَ إِلّا حُلْمًا
فِي الكَرَى أَوْ خَلْسَةَ المُخْتَلِسِ
إِذْ يَقُودُ الدَّهْرُ أَشْتَاتَ المُنَى
نُنْقِلُ الخَطْوَ عَلَى مَا يَرْسُمُ لَهَا
تَأْتِي فَرْدَى أَوْ ثُنْيًا أَوْ جَمْعًا
كَوُفُودِ الحَجَّاجِ فِي مَوْعِدِهَا
وَالحَيْى قَدْ جَلَّ الرَّوْضَ سَنَا
وَثُغُورُ الزَّهْرِ مِنْهُ تَبْسِمُ
فِي لَيَالٍ كَتَمَتْ سِرَّ الهَوَى
بِالدُّجَى لَوْلَا شُمُوسُ الْغُرَرِ
مَالَ نَجْمُ الْكَأْسِ فِيهَا وَهَوَى
مُسْتَقِيمَ السَّيْرِ سَعْدَ الْأَثَرِ
حِينَ لَذَّ النَّوْمُ شَيْئًا أَوْ كَمَا
هَجَمَ الصُّبْحُ هُجُومَ الْحَرَسِ
غَارَتِ الشُّهَبُ بِنَا أَوْ رُبَّمَا
أَثَّرَتْ فِينَا عُيُونُ النَّرْجِسِ
بِالَّذِي أَسْكَرَ مِنْ عَذْبِ اللَّمَى
كُلَّ عَهْدٍ تَحْتَسِيهِ وَحَبْبْ
وَالَّذِي كَحَّلَ جَفْنَيْكَ بِمَا
سَجَدَ السِّحْرُ لَدَيْهِ وَاقْتَرَبْ
وَالَّذِي أَجْرَى دُمُوعِي عِنْدَمَا
أَعْرَضْتَ مِنْ غَيْرِ سَبْبْ
ضَعْ عَلَى صَدْرِيَ يُمْنَاكَ فَمَا
أَجْدَرَ الْمَاءَ بِإِطْفَاءِ اللَّهَبْ
يَا أُهَيْلَ الْحَيِّ مِنْ وَادِي الْغَضَا
وَبِقَلْبِي مُسْكِنٌ أَنْتُمْ بِهِ
ضَاقَ عَنْ وَجْدِي بِكُمْ رَحْبُ الْفَضَا
لَا أُبَالِي شَرْقَهُ مِنْ غَرْبِهِ
أَحْوَرُ الْمُقْلَةِ مَعْسُولُ اللَّمَى
جَالَ فِي النَّفْسِ مَجَالَ النَّفَسِ
سَدَّدَ السَّهْمَ فَأَصْمَى إِذْ رَمَى
بِفُؤَادِي نَبْلَةَ الْمُفْتَرِسِ
ما سبب كتابة قصيدة “جادك الغيث”؟
كتب لسان الدين بن الخطيب موشحته الشهيرة “جادك الغيث” في أجواء الأندلس التي امتزج فيها الغناء بالشعر، فكانت الموشحات وسيلة للتعبير عن المشاعر العميقة والحنين والوجد.
جاءت القصيدة في ظل ظروف سياسية مضطربة عاشها الشاعر في غرناطة، حيث شهد تقلبات الحكم والصراعات التي انتهت بنفيه ومعاناته بعيدًا عن وطنه.
هذا الواقع القاسي دفعه إلى استحضار ذكريات الماضي الجميل، فاستعاد في قصيدته “زمان الوصل بالأندلس”، ذلك الزمن الذي كان يمتلئ بالصفاء والبهجة، فجعل من الغيث رمزًا للخصوبة والحياة والفرح المفقود، وكأن المطر يعيد إلى الأرض روحها كما تعيد الذكريات إلى القلب دفئه.
وهكذا تحولت القصيدة إلى رسالة شوق ووفاء لمرحلة مضت، لكنها بقيت حيّة في الوجدان.
ما هو مضمون قصيدة جادك الغيث؟
تدور القصيدة حول الحنين إلى أيام الوصل واللقاء، حيث يستفتح الشاعر بنداء إلى الغيث أن يهطل على زمنٍ مضى، فيحيي ذكراه كما يحيي المطر الأرض بعد الجفاف.
ومن خلال هذا النداء، تتشكل صور طبيعية نابضة بالحياة؛ فالروض يتزين بالزهور، والنسيم ينعش المكان، والليل يحتضن أسرار العشاق، والنجوم تلمع في سماء صافية كأنها تشارك الشاعر مشاعره.
ولا يقتصر النص على وصف الطبيعة، بل يمتزج فيه الجمال الطبيعي بالعاطفة الإنسانية، فنجد الشاعر يعبر عن ألمه من الفراق، وعن دموعه التي تسيل شوقًا إلى من أحب، حتى يضيق به الفضاء من شدة الوجد.
الدروس المستفادة من قصيدة جادك الغيث
تحمل “جادك الغيث” عدة معانٍ عميقة يمكن استلهامها، من أبرزها: