خلعت ثوب اصطبار كان يسترني
خلعتُ ثوبَ اصطِبارٍ كانَ يَستُرنُي
وبانَ كِذبُ ادِعائي أنَّني جَلِدُ
بكَيتُ حتَّى بكا من ليسَ يعرِفُني
ونُحتُ حتَّى حكاني طائرٌ غَرِدُ
كما تَفجَّرَ عَيناً ثَرَّةً حجَرٌ
قاسٍ تفَجَّرَ دمعاً قلبيَ الصَلِدُ
إنّا إلى اللهِ! قولٌ يَستريحُ بهِ
ويَستوي فيهِ مَن دانوا ومَن جَحدوا
مُدَّي إليَّ يَداً تُمْدَدْ إليكِ يدُ
لابُدَّ في العيشِ أو في الموتِ نتَّحِد
كُنَّا كشِقَّينِ وافى واحداً قدَرٌ
وأمرُ ثانيهما مِن أمرِهِ صَدَد
ناجيتُ قَبرَكِ استوحي غياهِبَهُ
عنْ حالِ ضيفٍ عليهِ مُعجَلاً يفد
وردَّدَتْ قَفرةٌ في القلبِ قاحِلةٌ
صَدى الذي يَبتغي وِرْداً فلا يجد
ولَفَّني شَبَحٌ ما كانَ أشبَهُ
بجَعْدِ شَعركِ حولَ الوجهِ يَنعقد
ألقيتُ رأسي في طيَّاتِه فَزِعاً
نظيرَ صُنْعِي إذْ آسى وأُفتأد
أيّامَ إنْ صناقَ صدري أستريحُ إلى
صدرٍ هو الدهرُ ما وفى وما يعد
لا يُوحشِ اللهُ رَبعاً تَنزِلينَ بهِ
أظُنُ قبرَكِ رَوضاً نورُه يَقِد
وأنَّ رَوْحكِ رُوحٌ تأنَسِينَ بها
إذا تململَ مَيْتٌ رُوْحُهُ نَكَد
كُنَّا كنبَتةِ رَيحانٍ تخطَّمَها
صِرٌّ . فأوراقُها مَنزوعَةٌ بَددَ
غَّطى جناحاكِ أطفالي فكُنتِ لهُمْ
ثغراً إذا استيقَظوا ، عِيناً اذا رقَدوا
شّتى حقوقٍ لها ضاقَ الوفاءُ بها
فهلْ يكونُ وَفاءً أنني كمِد
لم يَلْقَ في قلبِها غِلٌّ ولا دَنَسٌ
لهُ محلاً ، ولا خُبْثٌ ولا حَسد
ولم تكُنْ ضرةً غَيرَى لجِارَتِها
تُلوى لخِيرٍ يُواتيها وتُضْطَهد
ولا تَذِلُّ لخطبٍ حُمَّ نازِلُهُ
ولا يُصَعِّرُ مِنها المالُ والولد
قالوا أتى البرقُ عَجلاناً فقلتُ لهمْ
واللهِ لو كانَ خيرٌ أبطأتْ بُرُد
ضاقَتْ مرابِعُ لُبنانٍ بما رَحُبَتْ
عليَّ والتفَّتِ الآكامُ والنُجُد
تلكَ التي رقَصَتْ للعينِ بَهْجَتُها
أيامَ كُنَّا وكانتْ عِيشةٌ رَغَد
سوداءُ تنفُخُ عن ذِكرى تُحرِّقُني
حتّى كأني على رَيعانِها حَرِد
واللهِ لم يحلُ لي مغدىً ومُنْتَقَلٌ
لما نُعيتِ ، ولا شخصٌ ، ولا بَلَد
أينَ المَفَرُّ وما فيها يُطاردُني
والذِكرياتُ ، طرُّيا عُودُها ، جُدُد
أألظلالُ التي كانتْ تُفَيِّئُنا
أمِ الِهضابُ أم الماء الذي نَرِد؟
أم أنتِ ماثِلةٌ ؟ مِن ثَمَّ مُطَّرَحٌ
لنا ومنْ ثَمَّ مُرتاحٌ ومُتَّسَد
سُرعانَ ما حالتِ الرؤيا وما اختلفَتْ
رُؤىً ، ولا طالَ – إلا ساعةٍ – أمَد
مررتُ بالحَورِ والأعراسُ تملؤهُ
وعُدتُ وهو كمثوى الجانِ يَرْتَعِد
مُنىً – وأتعِسْ بها – أنْ لا يكونَ على
توديعها وهيَ في تابُوتها رَصَد
لعلَّني قارئٌ في حُرِّ صَفْحَتِها
أيَّ العواطِفِ والأهواءِ تَحْتَشِد؟
وسامِعٌ لفظةً مِنها تُقَرِّظُني
أمْ أنَّها – ومعاذَ اللهِ – تَنْتَقِد
ولاقِطٌ نظرةً عَجلى يكونُ بها
ليْ في الحياةِ وما ألقى بِها ، سَند
لماذا كتبت قصيدة خلعت ثوب اصطبار كان يسترني؟
كُتِبَتْ هذه القصيدة كرد فعل عاطفي عميق تجاه فقدان عزيزة، ربما زوجة أو أم، حيث يعبر الشاعر عن ألمه الشديد في مواجهة الموت والفراق.
الدافع الرئيسي هو الرغبة في تخليص الروح من ثقل الحزن من خلال الشعر، الذي يصبح وسيلة للتنفيس والتذكر، ونلاحظ أن الشاعر يصف نفسه بأنه “خلعتُ ثوبَ اصطِبارٍ”، مما يشير إلى انهيار الصمود أمام الصدمة، ويستخدم الشعر ليحول الدموع إلى كلمات خالدة.
هذا النوع من الشعر الرثائي شائع في الأدب العربي الكلاسيكي (مثل رثاء الخنساء أو المتنبي)، حيث يُكْتَبُ ليُخْلِدَ المتوفى ويُعَالِجَ الجرح النفسي.
ما مضمون قصيدة خلعت ثوب اصطبار كان يسترني؟
تدور القصيدة حول رثاء عاطفي لامرأة فقدتها الشاعر، مع وصف مسار الحزن من الانكسار إلى التسليم بالقدر. يمكن تقسيم المضمون إلى مراحل رئيسية:
الانهيار العاطفي الأولي: يبدأ الشاعر بوصف بكائه الشديد (“بكَيتُ حتَّى بكا من ليسَ يعرِفُني”) وتفجُّر قلبه كحجر قاسٍ يدمع، مُشْبِهًا نفسه بمن خلع ثوب الصبر.
الذكريات والشوق: ينتقل إلى ناجيَةِ القبر (“ناجيتُ قَبرَكِ”)، ويصف شبح شعرها وصور الحياة المشتركة كـ”شِقَّينِ” اتحدا القدر ثم افترقا. يذكر الأطفال الذين كانت لهم “ثغرًا” و”عينًا”، مُبرِزًا دورها الأمومي.
مدح المتوفاة: يرسم صورة مثالية لها كامرأة نقية (“لم يَلْقَ في قلبِها غِلٌّ ولا دَنَسٌ”)، لا تُحْسِدُ ولا تَذِلُّ، ويرفض فكرة البرق كخير سريع (“أتى البرقُ عَجلاناً فقلتُ لهمْ”).
الألم الدائم والرؤى: يصف ضيق العالم (“ضاقَتْ مرابِعُ لُبنانٍ”) والذكريات المُطَارِدَة، مع رؤى قصيرة تُعِيدُها حية (“أم أنتِ ماثِلةٌ ؟”)، وينتهي بتمني لقاء في الآخرة.
المضمون العام هو صراع بين الحزن الإنساني والإيمان بالله (“إنّا إلى اللهِ”)، مع لمسة أمل في الجنة (“أظُنُ قبرَكِ رَوضاً”).
ماذا نتعلم من هذه القصيدة؟
تُعَلِّمُ القصيدة دروسًا عميقة في الحياة والموت، يمكن تلخيصها في نقاط رئيسية: