قصيدة أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
أَمِنْ أُمِّ أَوْفَى دِمْنَةٌ لَمْ تَكَلَّمْ
بِحَوْمَانَةِ الدُّرَّاجِ فَالْمُتَثَلَّمِ
وَدَارٌ لَهَا بِالرَّقْمَتَيْنِ كَأَنَّهَا
مَرَاجِعُ وَشْمٍ فِي نَوَاشِرِ مِعْصَمِ
بِهَا الْعَيْنُ وَالْأَرَامُ يَمْشِينَ خِلْفَةً
وَأَطْلَاعُهَا يَنْهَضْنَ مِنْ كُلِّ مَجْثَمِ
وَقَفْتُ بِهَا مِنْ بَعْدِ عِشْرِينَ حِجَّةً
فَلَأْيَّ عَرَفْتُ الدَّارَ بَعْدَ التَّوَهُّمِ
أَثَافِيَّ سُفْعًا فِي مُعَرَّسِ مِرْجَلٍ
وَنُؤْيًا كَجِذْمِ الْحَوْضِ لَمْ يَتَثَلَّمِ
فَلَمَّا عَرَفْتُ الدَّارَ قُلْتُ لِرُبْعِهَا
أَلَا عِمْ صَبَاحًا أَيُّهَا الرُّبْعُ وَاسْلَمِ
تَبَصَّرْ خَلِيلِي هَلْ تَرَى مِنْ ظَعَائِنٍ
تَحَمَّلْنَ بِالْعَلِيَّاءِ مِنْ فَوْقِ جُرْثُمِ
عَلَوْنَ بِأَنْمَاطٍ عِتَاقٍ وَكِلَّةٍ
وِرَادٍ حَوَاشِيهَا مُشَاكِهَةِ الدَّمِ
وَفِيهِنَّ مَلْهًى لِلصَّدِيقِ وَمَنْظَرٌ
أَنِيقٌ لِعَيْنِ النَّاظِرِ الْمُتَوَسِّمِ
بَكَرْنَ بُكُورًا وَاسْتَحَرْنَ بِسُحَرَةٍ
فَهُنَّ لِوَادِي الرَّسِّ كَالْيَدِ لِلْفَمِ
جَعَلْنَ الْقَنَانَ عَنْ يَمِينٍ وَحَزْنَهُ
وَمَنْ بِالْقَنَانِ مِنْ مُحِلٍّ وَمُحْرِمِ
ظَهَرْنَ مِنَ السُّوبَانِ ثُمَّ جَزَعْنَهُ
عَلَى كُلِّ قَيْنِيٍّ قَشِيبٍ مُفَأَّمِ
كَأَنَّ فُتَاتَ الْعِهْنِ فِي كُلِّ مَنْزِلٍ
نَزَلْنَ بِهِ حَبُّ الْفَنَا لَمْ يُحَطَّمِ
فَلَمَّا وَرَدْنَ الْمَاءَ زُرْقًا جِمَامُهُ
وَضَعْنَ عِصِيَّ الْحَاضِرِ الْمُتَخَيِّمِ
سَعَى سَاعِيًا غَيْظُ بْنُ مُرَّةَ بَعْدَمَا
تَبَزََّلَ مَا بَيْنَ الْعَشِيرَةِ بِالدَّمِ
فَأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الَّذِي طَافَ حَوْلَهُ
رِجَالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُمِ
يَمِينًا لَنِعْمَ السَّيِّدَانِ وُجِدْتُمَا
عَلَى كُلِّ حَالٍ مِنْ سَحِيلٍ وَمُبْرَمِ
تَدَارَكْتُمَا عَبْسًا وَذُبْيَانَ بَعْدَمَا
تَفَانَوْا وَدَقَّ بَيْنَهُمْ عِطْرَ مَنْشِمِ
وَقَدْ قُلْتُمَا إِنْ نُدْرِكِ السِّلْمَ وَاسِعًا
بِمَالٍ وَمَعْرُوفٍ مِنَ الْأَمْرِ نَسْلَمِ
فَأَصْبَحْتُمَا مِنْهَا عَلَى خَيْرِ مَوْطِنٍ
بَعِيدَيْنِ فِيهَا مِنْ عُقُوقٍ وَمَأْثَمِ
عَظِيمَيْنِ فِي عُلْيَا مَعَدٍّ وَغَيْرِهَا
وَمَنْ يَسْتَبِحْ كَنْزًا مِنَ الْمَجْدِ يَعْظُمِ
فَأَصْبَحَ يَجْرِي فِيهِمُ مِنْ تِلَادِكُمْ
مَغَانِمُ شَتَّى مِنْ إِفَالِ الْمُزَنَّمِ
تُعَفَّى الْكُلُومُ بِالْمِئِينَ فَأَصْبَحَتْ
يُنَجِّمُهَا مَنْ لَيْسَ فِيهَا بِمُجْرِمِ
يُنَجِّمُهَا قَوْمٌ لِقَوْمٍ غَرَامَةً
وَلَمْ يُهَارِيقُوا بَيْنَهُمْ مِلْءَ مِحْجَمِ
فَمِنْ مُبْلِغِ الْأَحْلَافِ عَنِّي رِسَالَةً
وَذُبْيَانَ هَلْ أَقْسَمْتُمْ كُلَّ مُقْسَمِ
فَلَا تَكْتُمُنَّ اللَّهَ مَا فِي نُفُوسِكُمْ
لِيَخْفَى وَمَا هَمَّ يُكْتَمِ اللَّهُ يَعْلَمِ
يُؤَخَّرْ فَيُوْضَعْ فِي كِتَابٍ فَيُدَّخَرْ
لِيَوْمِ الْحِسَابِ أَوْ يُعَجَّلْ فَيُنْقَمِ
وَمَا الْحَرْبُ إِلَّا مَا عَلِمْتُمْ وَذُقْتُمْ
وَمَا هُوَ عَنْهَا بِالْحَدِيثِ الْمُرَجَّمِ
مَتَى تَبْعَثُوهَا تَبْعَثُوهَا ذَمِيمَةً
وَتَضُرُّ إِذَا ضَرَّيْتُمُوهَا فَتَضْرَمِ
فَتَعْرُكْكُمْ عَرْكَ الرَّحَى بِثِفَالِهَا
وَتَلْقَحْ كِشَافًا ثُمَّ تَحْمِلْ فَتُتْئِمِ
فَتُنْتَجْ لَكُمْ غِلْمَانَ أَشْأَمَ كُلُّهُمْ
كَأَحْمَرِ عَادٍ ثُمَّ تُرْضِعْ فَتَفْطِمِ
فَتُغْلِلْ لَكُمْ مَا لَا تُغِلُّ لِأَهْلِهَا
قُرًى بِالْعِرَاقِ مِنْ قَفِيزٍ وَدِرْهَمِ
لَعَمْرِي لَنِعْمَ الْحَىُّ جَرَّ عَلَيْهِمْ
بِمَا لَا يُوَاتِيهِمْ حُصَيْنُ بْنُ ضَمْضَمِ
وَكَانَ طَوًى كَشْحًا عَلَى مُسْتَكِنَّةٍ
فَلَا هُوَ أَبْدَاهَا وَلَمْ يَتَجَمْجَمِ
وَقَالَ سَأَقْضِي حَاجَتِي ثُمَّ أَتَّقِي
عَدُوِّي بِأَلْفٍ مِنْ وَرَائِيَ مُلْجَمِ
فَشَدَّ وَلَمْ تَفْزَعْ بُيُوتٌ كَثِيرَةٌ
لَدَى حَيْثُ أَلْقَتْ رَحْلَهَا أُمُّ قَشْعَمِ
لَدَى أَسَدٍ شَاكِي السِّلَاحِ مُقَذَّفٍ
لَهُ لِبَدٌ أَظْفَارُهُ لَمْ تُقَلَّمِ
جَرِيءٍ مَتَى يُظْلَمْ يُعَاقِبْ بِظُلْمِهِ
سَرِيعًا وَإِلَّا يُبْدَ بِالظُّلْمِ يَظْلِمِ
رَعَوْا مَا رَعَوْا مِنْ ظِمْئِهِمْ ثُمَّ أَوْرَدُوا
غِمَارًا تَسِيلُ بِالرِّمَاحِ وَبِالْدَّمِ
فَقَضَّوْا مَنَايَا بَيْنَهُمْ ثُمَّ أَصْدَرُوا
إِلَى كَلَأٍ مُسْتَوْبِلٍ مُتَوَخَّمِ
لَعَمْرُكَ مَا جَرَّتْ عَلَيْهِمْ رِمَاحُهُمْ
دَمَ ابْنِ نَهِيكٍ أَوْ قَتِيلِ الْمُثَلَّمِ
وَلَا شَارَكُوا فِي الْقَوْمِ فِي دَمِ نَوْفَلٍ
وَلَا وَهَبٍ مِنْهُمْ وَلَا ابْنِ الْمُحَزَّمِ
فَكُلَّ أَرَاهُمْ أَصْبَحُوا يَعْقِلُونَهُمْ
عُلَالَةَ أَلْفٍ بَعْدَ أَلْفٍ مُصَتَّمِ
تُسَاقُ إِلَى قَوْمٍ لِقَوْمٍ غَرَامَةً
صَحِيحَاتِ مَالٍ طَالِعَاتٍ بِمَخْرِمِ
لِحَىٍّ حِلَالٍ يَعْصِمُ النَّاسَ أَمْرُهُمْ
إِذَا طَلَعَتْ إِحْدَى اللَّيَالِي بِمُعَظَّمِ
كِرَامٍ فَلَا ذُو الْوِتْرِ يُدْرِكْ وَتْرَهُ
لَدَيْهِمْ وَلَا الْجَانِي عَلَيْهِمْ بِمُسْلِمِ
سَئِمْتُ تَكَالِيفَ الْحَيَاةِ وَمَنْ يَعِشْ
ثَمَانِينَ حُلَّاً لَا أَبَا لَكَ يَسْأَمِ
رَأَيْتُ الْمَنَايَا خَبْطَ عَشْوَاءَ مَنْ تُصِبْ
تُمِتْهُ وَمَنْ تُخْطِئْ يُعَمَّرْ فَيَهْرَمِ
وَأَعْلَمُ عِلْمَ الْيَوْمِ وَالْأَمْسِ قَبْلَهُ
وَلَكِنَّنِي عَنْ عِلْمِ مَا فِي غَدٍ عَمِي
وَمَنْ لَا يُصَانِعْ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ
يُضَرَّسْ بِأَنْيَابٍ وَيُوطَأْ بِمَنْسِمِ
وَمَنْ يَكُنْ ذَا فَضْلٍ فَيَبْخَلْ بِفَضْلِهِ
عَلَى قَوْمِهِ يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَيُذَمْمِ
وَمَنْ يَجْعَلِ الْمَعْرُوفَ مِنْ دُونِ عِرْضِهِ
يَفِرَّهُ وَمَنْ لَا يَتَّقِ الشَّتْمَ يُشْتَمِ
وَمَنْ لَا يَذُدْ عَنْ حَوْضِهِ بِسِلَاحِهِ
يُهَدَّمْ وَمَنْ لَا يَظْلِمِ النَّاسَ يُظْلَمِ
وَمَنْ هَابَ أَسْبَابَ الْمَنِيَّةِ يَلْقَهَا
وَلَوْ رَامَ أَسْبَابَ السَّمَاءِ بِسُلَّمِ
وَمَنْ يَعْصِ أَطْرَافَ الزُّجَاجِ فَإِنَّهُ
يُطِيعُ الْعَوَالِيَ رُكِّبَتْ كُلَّ لَهْذَمِ
وَمَنْ يُوفِ لَا يُذْمَمْ وَمَنْ يُفْضِ قَلْبُهُ
إِلَى مُطْمَئِنِّ الْبِرِّ لَا يَتَجَمْجَمِ
وَمَنْ يَغْتَرِبْ يَحْسِبْ عَدُوًّا صَدِيقَهُ
وَمَنْ لَا يُكَرِّمْ نَفْسَهُ لَا يُكَرَّمِ
وَمَهْمَا تَكُنْ عِنْدَ امْرِئٍ مِنْ خَلِيقَةٍ
وَإِنْ خَالَهَا تَخْفَى عَلَى النَّاسِ تُعْلَمِ
وَمَنْ لَا يَزَالْ يَسْتَحْمِلُ النَّاسَ نَفْسَهُ
وَلَا يُغْنِيهَا يَوْمًا مِنَ الدَّهْرِ يُسْأَمِ
شاهد أيضا: هل غادر الشعراء من متردم.
ما سبب كتابة قصيدة أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
كُتبت هذه القصيدة – وهي معلقة زهير بن ابي سلمى – في سياق حرب داحس والغبراء التي اشتعلت بين قبيلتي عبس وذبيان سنوات طويلة، وأهلكت الرجال وأثقلت القبيلتين بالدماء والثارات.
وقد نظمها زهير بعد أن سعى الحارث بن عوف وهرم بن سنان إلى الصلح بين القبيلتين، وتحمّلا ديات القتلى من أموالهما الخاصة حقنًا للدماء وإنهاءً للعداوة. فجاءت القصيدة مدحًا لهما وإشادةً بموقفهما النبيل، ودعوةً صريحة إلى نبذ الحرب والتحذير من عواقبها الوخيمة.
إذن فسبب كتابة القصيدة هو الاحتفاء بالصلح بين عبس وذبيان، والتحذير من العودة إلى نار الحرب، وترسيخ قيم السلم والحكمة في المجتمع القبلي.
ما هو مضمون قصيدة أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
تبدأ القصيدة على عادة شعراء الجاهلية بالوقوف على الأطلال، حيث يسترجع الشاعر ذكريات الماضي ويتأمل آثار الديار بعد رحيل أهلها. ثم ينتقل إلى وصف الظعائن والرحلة في مشاهد تصويرية دقيقة تعكس بيئة الصحراء.
بعد ذلك يتحول إلى صلب الموضوع، فيمدح الحارث بن عوف وهرم بن سنان لدورهما في الإصلاح، ويشيد بحكمتهما وكرمهما في إنهاء الحرب.
ويتوسع زهير في الحديث عن ويلات الحرب، فيصفها وصفًا مؤثرًا، ويؤكد أنها لا تجلب إلا الدمار والخسارة، ثم يختم قصيدته بمجموعة من الحكم الخالدة التي تتناول الحياة، والموت، والأخلاق، والوفاء، والعدل، والكرامة.
أقرأ قصيدة: لايحمل الحقد من تعلو به الرتب.
الدروس المستفادة من قصيدة أمن أم أوفى دمنة لم تكلم
التأمل في حقيقة الحياة والموت، وأن الإنسان مهما طال عمره فمصيره إلى الفناء.
أهمية السلم والإصلاح بين الناس، وأن الصلح خير من استمرار النزاعات.
التحذير من عواقب الحرب وما تخلّفه من دمار وضياع للأرواح.
الإشادة بقيمة الوفاء وتحمل المسؤولية الاجتماعية.
التأكيد على أن أفعال الإنسان وأخلاقه لا تخفى، بل تظهر مهما حاول إخفاءها.
الدعوة إلى الكرم، وصون العرض، والدفاع عن الحقوق بالحكمة والقوة عند الحاجة.