قصيدة أين العداة
لَكَ الشَّوَاطِئُ وَالْأَمْوَاجُ وَالسُّفُنُ
لَكَ الْمَطَارَاتُ فَاهْبِطْ أَيَّهَا الشَّجِنُ
مِنْ بَعْدِمَا أَكَلَ الْمَنْفَى مَلَامِحَنَا
الْحَمْدُ لِلَّهِ لِيَ أَهْلٌ وَلِيَ وَطَنُ
قَرَّتْ وَرَبِّكَ فِينَا وَانْتِشَتْ فَرْحًا
عَيْنَا مُعَاوِيَةٍ وَاسْتَبْشَرَ الزَّمَنُ
وَعَادَ مُنْتَصِبًا مِنْ بَعْدِ مَصْرَعِهِ
مَجْدٌ تَهَاوَى عَلَى أَقْدَامِهِ الْوَثَنُ
تَرَى الْوُجُوهَ وَقَدْ رُدَّتْ مَلَامِحُهَا
كَأَنَّهَا لَمْ تُشَتِّتْ شَمْلَهَا الْمِحَنُ
مُسْتَبْشِرُونَ بِوَعْدِ اللَّهِ تَحْرُسْنَا
مَلَائِكَةُ النَّصْرِ مَا كَلُّوا وَلَا وَهَنُوا
رَجَعْتُ يَا حَمْصُ لَوْ تَدْرِينَ كَمْ قَتَلْتْ
بِنَا الْمَنَافِي وَكَمْ أَوْدَتْ بِنَا الْمُدُنُ
أَسِيرُ فِيكِ بِعَقْلٍ لَا يُصَدِّقُ مَا
تَرَاهُ عَيْنِي وَحُبٍّ سِرُّهُ عَلَنُ
مُزَعْزِعَ الْقَلْبِ مَخْنُوقٌ وَمُنْبَسِطٌ
أَبْكِي وَأَضْحَكُ بِيَ حَرْبٌ وَبِيَ هُدْنُ
عَجَزْتُ وَاللَّهِ أَنْ أَلْقَاكِ مُتَّزِنًا
كَيْفَ الْمَشَاعِرُ فِي الْمُشْتَاقِ تَتَّزِنُ؟
يَا فَاتِحَ الشَّامِ نَصْرٌ بَعْدَ مَهْلَكَةٍ
أَوْدَتْ بِقَوْمٍ أُبِيدُوا بَعْدَمَا لُعِنُوا
أَيْنَ الْعُدَاةُ؟ وَطَأْنَاهُمْ بِأَرْجُلِنَا
وَأَيْنَ سَادَتُهُمْ؟ لِلْآنَ مَا دُفِنُوا!
خَلَّفْتَهُمْ جِيَفًا لَا الطَّيْرُ تَقْرَبُهُمْ
وَلَا التُّرَابُ يُوَارِيهِمْ وَلَا الْعَفَنُ
جَاءُوا إِلَى الشَّامِ أُسُودًا مُزَمْجِرَةً
كَأَنَّهُمْ مُلْكَ أَرْضِ الشَّامِ قَدْ ضَمِنُوا
جَاءُوا وَحُوشًا وَلَا أُنْبِئُكَ مُذْ وَصَلُوا
طَحْنًا وَرَبِّكَ فِي أَرْجَائِهَا طُحِنُوا!
دَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ وَالشَّاهِينُ حَائِمَةٌ
وَقَدْ وَأَقَامُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ آمِنُوا
فَرَّ الْجَبَانُ وَهُمْ فِي ذُلِّهِمْ سَقَطُوا
فَمَا تَمَاسَكَ إِلَّا الْخَوْفُ وَالْجُبْنُ!
جَاءُوا إِلَى الشَّامِ لَا دِينٌ وَلَا شَرَفٌ
لِحْيًا يُقَطِّرُ مِنْهَا الْبُغْضُ وَالضَّغَنُ
مِنْ كُلِّ حَدْبٍ وَصُوبٍ لَا تَسْأَلْ أَبَدًا
مَنْ هُمْ وَمَا دِينُهُمْ؟ أَزْكَاهُمُ النَّتِنُ!
فِي كُلِّ نَارٍ لِشَيْطَانٍ لَهُمْ شَرَرٌ
وَحَيْثُمَا يَمَّوْا تَتْبَعُهُمُ الْفِتَنُ!
يَأْتُونَ بِاللَّطْمِ سُودٌ مَلَابِسُهُمْ
وَيَرْجِعُونَ عُرَاةً مَا لَهُمْ كَفَنُ!
دِمَشْقُ لَسْنَا دُعَاةَ الْحَرْبِ هُمْ بَدَءُوا
وَهُمْ بِهَا اتَّجَرُوا حَتَّى بِهَا سَمِنُوا
لَا عُذْرَ لَا عُذْرَ مَا فِي الدَّمِّ مُعْذِرَةٌ
كُلُّ امْرِئٍ بِالَّذِي يَأْتِيهِ مُرْتَهَنُ
وَالْعَفْوُ عَنْ قَاتِلٍ مِنْ بَعْدِ مَقْدِرَةٍ
أَشَدُّ شَيْءٍ بِهِ الْإِنْسَانُ يُمْتَحَنُ
الْبُنْدُقِيَّةُ حِلٌّ لَا أُفَضِّلُهُ
يَأْتِيكَ بِالسِّلْمِ فِي أَعْقَابِهِ السَّكَنُ
وَلِلشَّامِ حُقُوقٌ كَيْفَ نُهْمِلُهَا؟
وَكُلُّ فَرْضٍ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ سُنَنُ
لَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ مَا يَدْعُو لِثَوْرَتِنَا
لَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا فَكُّ مَنْ سُجِنُوا
أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ وَالنَّارُ تَلْفَحُنَا
لِكُلِّ وَجْهٍ قَبِيحٍ آخَرُ حَسَنُ؟
يَا فَاتِحَ الشَّامِ رَدَّ اللَّهُ هَيْبَتَنَا
عَلَى يَدَيْكَ وَأَعْطَى الْحَقَّ مَنْ غُبِنُوا
لَمَّا رَأَى النَّاسُ أَنَّ الْجَوَّ مُضْطَرِبٌ
وَوَجْهَهُ عَابِسٌ وَالصَّدْرُ مُحْتَقِنُ
رَأَيْتَهُ فُرْصَةً لِلْفَتْحِ سَانِحَةً
وَأَنْتَ مِنْهَا وَفِيهَا الْوَاثِقُ الْمَرِنُ
فَأَيَّدَ اللَّهُ مَا أَعْدَدْتَ مِنْ خُطَطٍ
وَمَنَّ مَنًّا تَفَانَى دُونَهُ الْمِنَنُ
مِنْ بَعْدِ جَيْشٍ يُوَالِي عَرْشَ طَاغِيَةٍ
وَكَانَ أَعْدَى عِدَاهُ الشَّعْبُ وَالْوَطَنُ!
يَا فَاتِحَ الشَّامِ قَدْ أَسَسْتَ جَيْشَ هُدًى
حَتَّى عَلَى الدِّينِ وَالْأَعْرَاضِ يُؤْتَمَنُ
ذَكَرْتُمُونَا بِذِي قَارٍ وَإِخْوَتِهَا
يَا فَاتِحَ الشَّامِ وَالتَّارِيخُ مُقْتَرِنُ
فِي سَاعَةِ الْحَرْبِ أَنْتَ النَّارُ مُحْرِقَةٌ
وَفِي السِّيَاسَةِ أَنْتَ الْكَيِّسُ الْفَطِنُ
هَذِهِ الْحَقِيقَةُ لِلْأَجْيَالِ أَكْتُبْهَا
وَلَا أُحَابِي وَشِعْرِي مَا لَهُ ثَمَنُ
اللَّهُ أَرْسَلَ فِينَا قَائِدًا بَطَلًا
إِذَا وَزَنَّا بِهِ كُلَّ الْمَدَى يَزِينُ
شاهد أيضًا: ريم على القاع بين اللبان والعلم
ما سبب كتابة قصيدة أين العداة
كُتبت هذه القصيدة في سياق الحديث عن استعادة مدينة الشام – وخصوصًا حمص ودمشق – بعد سنوات من الحرب والمنفى والمعاناة. فجاءت تعبيرًا عن فرحة العودة إلى الوطن بعد الغياب، وعن الاحتفاء بما اعتبره الشاعر نصرًا أعاد الكرامة والهيبة لأهله.
كما كُتبت في إطار تمجيد قائد عسكري يلقّبه الشاعر بـ«فاتح الشام»، مشيدًا بدوره في إنهاء مرحلة دامية من الصراع، وتصويره بوصفه سببًا في تبدل الحال من الهزيمة إلى النصر، ومن الشتات إلى الاستقرار.
ما هو مضمون القصيدة
تبدأ القصيدة بمشهد عاطفي مؤثر يصوّر العودة من المنفى، حيث تمتزج مشاعر الفرح بالحزن، والدموع بالابتسامة، في لحظة لقاء الوطن بعد طول فراق.
ثم تنتقل إلى وصف الحرب وما خلّفته من دمار، مع تصوير قاسٍ للعدو وما ارتكبه من أفعال، قبل أن تتحول إلى خطاب حماسي يحتفي بالنصر ويُمجّد القائد الذي أعاد – بحسب رؤية الشاعر – الاستقرار والهيبة.
كما تتضمن القصيدة إشارات دينية وتاريخية، وتربط الحدث الحاضر بأمجاد الماضي، في محاولة لإضفاء بعدٍ تاريخي وبطولي على الواقع المعاصر.